الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
250
مناهل العرفان في علوم القرآن
ذلك هين بإزاء ما يقصده القرآن من إنقاذ الإنسانية العاثرة ، وهداية الثقلين إلى سعادة الدنيا والآخرة . فالقرآن - كما أسلفنا في المبحث الأول - كتاب هداية وإعجاز ، وعلى هذا فلا يليق أن نتجاوز به حدود الهداية والإعجاز . حتى إذا ذكر فيه شئ من الكونيات ، فإنما ذلك للهداية ودلالة الخلق على الخالق . ولا يقصد القرآن مطلقا من ذكر هذه الكونيات أن يشرح حقيقة علمية في الهيئة والفلك أو الطبيعة والكيمياء ، ولا أن يحل مسألة حسابية أو معادلة جبرية أو نظرية هندسية ، ولا أن يزيد في علم الطلب بابا ولا في علم التشريح فصلا ، ولا أن يتحدث عن علم الحيوان أو النبات أو طبقات الأرض ، إلى غير ذلك . ولكن بعض الباحثين طاب لهم أن يتوسعوا في علوم القرآن ومعارفه ، فنظموا في سلكها ما بدا لهم من علوم الكون ، وهم في ذلك مخطئون ومسرفون ، وإن كانت نيتهم حسنة وشعورهم نبيلا ، ولكن النية والشعور مهما حسنا لا يسوغان أن يحكى الإنسان غير الواقع ، ويحمل كتاب اللّه على ما ليس من وظيفته ، خصوصا بعد أن أعلن الكتاب نفسه هذه الوظيفة وحددها مرات كثيرة . منها قوله سبحانه : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ومنها قوله جلت حكمته . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . ومما يجب التفطن له أن عظمة القرآن لا تتوقف على أن ننتحل له وظيفة جديدة ، ولا أن نحمله مهمة ما أنزل اللّه بها من سلطان ؛ فإن وظيفته في هداية العالم أسمى وظيفة في الوجود ، ومهمته في إنقاذ الإنسانية أعلى مهمة في الحياة ! وما العلوم الكونية بإزاء الهدايات القرآنية ؟ أليس العالم الآن يشقى بهذه العلوم ويحترب وينتحر ؟ ثم أليست العلوم الكونية هي التي ترمى الناس في هذه الأيام بالمنايا وتقذفهم بالحكم ، وتظهر لهم على أشكال مخيفة مزعجة ، من مدافع رشاشة ، ودبابات فتاكة ، وطائرات أزازة ، وقنابل مهلكة ، وغازات